سربرنيتسا نقطة سوداء في تاريخ أوروبا الحديث

قبل 20 عاما هزّت مدينةَ سربرنيتسا البوسنية جريمةٌ من أسوأ جرائم الحرب المرتكبة بعد الحرب العالمية الثانية. ولا يزال يتم السخرية من ضحايا هذه الإبادة الجماعية واستغلالهم سياسيا حتى الآن، كما يرى الصحفي بنيامين بارغان. حتى الذكرى الـ 20 للإبادة الجماعية في سربرنيتسا لم تسلم من الألعاب الاستهزائية على المسرح الكبير التابع لما يسمى بالمجتمع الدولي. فقد أحبطت روسيا في مجلس الأمن الدولي عبر اعتراضها بالفيتو مشروع قرار أممي يصف القتل الجماعي الوحشي، في حق 8000 من الرجال والفتيان في سربرنيتسا، بأنه إبادة جماعية. أما محاولات التفسير المنافقة الصادرة عن السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فهي تصطف تماما إلى جانب الاستهزاء بالضحايا، والمستمرة حتى يومنا هذا. وكذلك يوصَف التصريح المفعم بالفخر الذي أطلقه الرئيس الصربي توميسلاف نيكوليتش، ​​حين قال: "هذا يوم عظيم بالنسبة لصربيا"، مضيفا أن روسيا قد أثبتت أنها صديق حقيقي لبلاده. وكل منهما لا يزايد على الآخر في السخرية، فقد تم إضعاف مشروع القرار مرارا وتكرارا والتقليل من حدته لكسب رضا روسيا وصربيا عنه، ومع ذلك تم رفضه. الفيتو الروسي بالمناسبة كان الصوت المعارض الوحيد المؤكِّد رسميا على إنكار جريمة تم البت فيها منذ فترة طويلة من الناحية القانونية. ففي عام 2007، وصفت محكمة الجنائيات الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة مجزرة سربرنيتسا بأنها إبادة جماعية تم التخطيط لها بدقة وتنفيذها بشكل ممنهج من قِبَل القيادة السياسية والعسكرية لصرب البوسنة. سفك للدماء موثَّق قانونياً ورغم ذلك فإن سربرنيتسا لم تكن إلا ذروة حرب إبادة مجرمة دموية في البوسنة والهرسك اقترفتها قادة صرب البوسنة باقتناع تام. وبالقناعة نفسها دعم حكام بلغراد السابقون هذه الحرب، عسكريا ولوجستيا وسياسيا. والأيام القليلة الماضية تبرهن من دون أدنى شك على أن هذه المحسوبية السياسة ما زالت موجودة وقائمة، وأن ما تغير هو فقط هدفهم الرئيسي. فقد أصبحت المهمة الأهم حاليا بالنسبة إليهم هي الإنكار الجماعي لجريمة سفك دماء مرتكبَة وموثَّقة توثيقا غير قابل للشك. وهذا يعني إعاقة فعالة لجهود المصالحة الصادقة بين مسلمي البوسنة والصرب. كان للمسلمين البوسنيين أن يقدّموا دعوى من أجل معظم ضحايا الحرب في البوسنة والهرسك، ولكنهم يشعرون - ليس فقط بما يخص قضية سربرنيتسا- بأنهم الفائزون أخلاقيا. إن هذا الإنكار المثابِر للإبادة الجماعية والتهوين من شأنها ليس إلا تأكيداً على انتصارهم الأخلاقي، واتفاقاً على ذلك سواء بوعي أو من غير وعي. إنّ الكثيرين من الصرب في البوسنة والهرسك وفي صربيا - حتى غير المنكرين منهم للجرائم الوحشية في سربرنيتسا - هم على خلاف مع مصطلح "الإبادة الجماعية"، لأنهم يظنون أن ما وراء ذلك قد يكون اعترافاً بالذنب الجماعي. وهم يرون أن سربرنيتسا بمثابة مسمار أخلاقي يتم توظيفه كثيرا من قبل مسلمي البوسنة واستغلاله سياسيا. وفي كثير من الأحيان تصدر حتى من هذه الدوائر المعتدلة في الرأي العام الصربي رغبات في إنهاء المسألة ووضع نقطة في آخر السطر ودعوات غير صبورة مطالِبة بالمسامحة والمغفرة. الحقيقة الآتية من سربرنيتسا ويتم من خلال ذلك وبكل سرور إخفاء حقيقة وجود مقابر جماعية جديدة في شرق البوسنة لا يزال يتم اكتشافها حتى الآن. ناهيك عن أن هناك أمهات ما زلن لا يستطعن دفن أبنائهن لأنه لم يتم العثور حتى الآن على جثثهم. إنها مهزلة أن تُطالَب هؤلاء الأمهات بالمغفرة لقتلة أولادهن. ثُمَّ كيف ومَن يتوجب عليهن مسامحته، في حين لم يطلب المغفرة مرتكبو الجريمة؟ وفي حين ما زال الشبان الصرب يغنون أثناء احتفالاتهم المدرسية -حتى في سربرنيتسا نفسها- أغاني (حركة) تشيكنيك (المعادية للمسلمين في البوسنة والهرسك) ويحتفون بِـ راتكو ملاديتش (الضابط في الجيش الصربي المتهم بجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في بالبوسنة والهرسك)، وفي حين يتم في حفلات الزفاف الصربية في بعض الأماكن رفع صور راتكو ملاديتش ورادوفان كاراديتش (المتهم أيضا بجرائم ضد الإنسانية خلال حرب البوسنة). مثل هؤلاء الناس لا يريدون المغفرة ولا المصالحة، ولا يريدون ولا يطيقون تحمُّل الحقيقة الآتية من سربرنيتسا. وكذلك يبقى هذا البلد البلقاني الصغير ومنذ وقت طويل تذكيرا حيّاً بالفشل الذريع للمجتمع الدولي. وتبقى البوسنة والهرسك تمثل نقطة الحضيض الحضارية في التاريخ الأوروبي الحديث، وسوف تبقى تذكرنا طويلا بدرجة الهشاشة التي يمكن أن يبلغها السلام في أوروبا، حتى وإن كان الرفض الروسي لقرار الأمم المتحدة بخصوص سربرنيتسا بات يبرهن بشكل بالغ الوضوح على عدم تعلُّم أي شيء حتى الآن من ذلك. بنيامين بارغان، الصحفي في قسم التحرير البوسني بمؤسسة DW الألمانية