إتفاق ديسمبر والمأزق السويدي - صوت السويد

 بلدية مالمو تغلق مسجد الرابطة الإسلامية في المدينة    جهاز المخابرات السويدي يصدر لائحة تضم 200 سويدي بشبهة تمويل الإرهاب    مؤشر دائرة الهجرة السويدية: أعداد اللاجئين الجدد تتناقص بشدة    إتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا يستنكر إعتداء ميونخ  

  
مقتطفات من
  
تغريداتنا على تويتر



إتفاق ديسمبر والمأزق السويدي

  

2014-12-28  


صوت السويد بالعربي | عثمان الطوالبة | نعيش في سويد اليوم بقلوب يعتصرها الحزن والألم، حيث إيديولوجيات الكراهية والعداء ضد الأجانب عامة، والمسلمين خاصة في تنامي مستمر، في عام 2013 تعرض 106 آلاف شخص لجرائم كراهية معادية للأجانب، إضافة إلى 25 ألف شخص لجرائم كراهية لأسباب دينية. وفي عام 2014 الذي يشارف على الإنتهاء، تعرضت المساجد لإعتداءات بمعدل اعتداء لكل شهر، كان آخرها حرق مسجد اسكلستونا، والتي لا زالت التحقيقات جارية، للوقوف على ملابسات الحادث ومعطياته. وأسفرت إيديلوجيات الكراهية عن دخول حزب "ديمقراطيو السويد" العنصري، صاحب الجذور النازية، إلى البرلمان السويدي عام 2010، للمرة الأولى في تاريخه منذ إنشاءه عام 1988. وحصد الحزب وقتها ما نسبته 5.7% من أصوات الناخبين السويديين، وفي الإنتخابات البرلمانية التي جرت في 14 سبتمبر/أيلول من هذا العام، حصد الحزب ما نسبته 13% من أصوات الناخبين، وهو بذلك قد ضاعف حاضنته الشعبية وزيادة.

منذ الانتخابات النيابية الأخيرة، والسويد رهينة أزمة سياسية حادة، أسقطت الحكومة السويدية بتاريخ 3 ديسمبر من العام الجاري، بسيناريوهات خروج من المأزق، كلها ضرر لحكومة لوفين والمعارضة بل وللبلاد كلها، واختارت أحزاب الإئتلاف الحاكم والمعارضة، دفع الضرر الأشد بضرر أخف منه (حسب تقديرها)، في حل طرحه رئيس الوزراء لوفين في مؤتمر صحفي يوم أمس السبت 27 ديسمبر، حضره قادة أحزاب المعارضة والحكومة (عدا ديمقراطيو السويد)، وأعلن القادة السياسيون عن توصلهم إلى إتفاق، أطلق عليه "اتفاق ديسمبر". ويضمن الإتفاق دعم المعارضة البرجوازية المشروط للإئتلاف الحكومي لأجل تسيير البلاد حتى عام 2022.

ينص إتفاق ديسمبر على محاور عمل مشتركة في ثلاث قضايا رئيسة: تأمين الشيخوخة، الدفاع والأمن، والطاقة. وكشفت مصادر إعلامية (التلفزيون السويدي) بعضا مما جرى وراء الكواليس أثناء المفاوضات السرية، قبل التوصل إلى اتفاق ديسمبر، وأشارت تلك المصادر أن رئيس الوزراء الأسبق فردريك راينفيلد، قد لعب دوراً بارزاً في إنجاح ذاك الإتفاق، وأن الإئتلاف الحكومي قد عقد ما بين ستة إلى سبعة لقاءات سرية، مع كل الأطياف السياسية تحت قبة البرلمان (عدا ديمقراطيو السويد طبعاً)، إضافة إلى عدد لقاءات غير معلوم، لإجتماعات لم تجمع كل تلك الأحزاب معاً. وحول طاولة المفاوضات،وجد رئيس الوزراء السويدي، ستيفان لوفين، نفسه مجبراً على تقديم تنازلات صعبة، كان أبرزها موافقته على شرط الأحزاب البرجوازية حكم البلاد بمقترح ميزانيتها طوال عام 2015، وهو الأمر الذي كان لوفين يرفضه طوال الوقت، بتصريحات سابقة لوسائل الإعلام المتنوعة، ويبدو أن هذا قد لقنه درساً جديداً في العمل السياسي بأن لا يقول لشئ "أبداً"، حسبما أشار في وقت لاحق لوسائل الإعلام السويدية.

لا يمتلك إتفاق ديسمبر عصى سليمان السحرية، لفك رهن البلاد من الأزمة الحالية، ولكنه يسكن موضع الألم على المدى القريب، وهو بلا شك أفضل من خوض انتخابات جديدة، فالقادة السياسيون ارتكبوا أدنى المفاسد لدفع أعلاها. ولا يخفي بعض المحللين مخاوفهم المشروعة تجاه المستقبل، فاتفاق ديسمبر هو خطوة "سيئة وخطرة على السياسة السويدية في المدى البعيد"، كما أشار الإعلامي السويدي دانيل ويكلاندر، في مقال له يوم أمس نشره التلفزيون السويدي في موقعه على الإنترنت، فالسياسة بحاجة لمنغصات وتناقضات ومعارضات، فالسياسة على حد تعبير رئيس الوزراء الأسبق يوران بارشن "ليست مشاعر وإنما برامج عملية وصراعات". اتفاقية ديسمبر على المدى البعيد (حسب ويكلاندر) تعني أن "الجميع ضد ديمقراطيو السويد"، وهي (على فرضية استمراريتها لغاية 2022) تضعف المشاركة الإنتخابية في السويد، للإحباط الذي قد يسببه تداخل برامج اليمين واليسار لدى الناخبين، الأمر الذي بدأت بوادره، حيث بين إستطلاع رأي اليوم لمؤسسة Novus السويدية، أن أكثر العبارات شيوعاً، في تعليقات السويديين على الأزمة الحالية واتفاق ديسمبر هي: "صندوق رمل للعب الأطفال"، "متغير"، "قلق" و "فوضى". وبنفس الوقت قد يؤدي الإتفاق حسب محللين إلى زيادة الحاضنة الشعبية لــ "ديمقراطيو السويد" عام 2018.

السويد في مأزق كبير، ولا نريد ان نكون مثل القرود الثلاثة في المثل الياباني الشهير، والتي لا تتكلم بالشر ولا تراه ولا تسمعه (القرد في العرف الياباني هو رمز للحكمة والعقلانية)، وكلامنا عن السويد هنا ليس كلاماً بالشر أو نشراً له، وإنما ينبع من الرغبة في إتقائه وتجنبه، حرصاً منا على هذه البلاد، التي هي وطن لنا، نسكنه نحن وأبناؤنا وأجيالنا القادمة، ونحرص عليه وعلى مستقبله، واستقراره السياسي وأمنه المجتمعي، وهو بحاجة اليوم إلى كل جهد بناء مخلص، للخروج من أزمته الحالية وبأقل الخسائر.