نظرات في القيادة والتنظيم : افصلوا التجاري عن الدعوي! صوت السويد

 بلدية مالمو تغلق مسجد الرابطة الإسلامية في المدينة    جهاز المخابرات السويدي يصدر لائحة تضم 200 سويدي بشبهة تمويل الإرهاب    مؤشر دائرة الهجرة السويدية: أعداد اللاجئين الجدد تتناقص بشدة    إتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا يستنكر إعتداء ميونخ  

  
مقتطفات من الصحافة السويدية
  
تغريداتنا على تويتر



نظرات في القيادة والتنظيم : افصلوا التجاري عن الدعوي!

صوت السويد بالعربي | حسن إسماعيل |

تسلم قيادي من الصف الأول في مؤسسة إسلامية كبرى، في أحد دول أوروبا الغربية، مسؤولية مشروع بناء مركز إسلامي بتبرع من أحد دول الخليج، المسؤول الكبير أو "الشيخ الجليل" ، أسند إلى أحد أقاربه مهمة الإشراف على تنفيذ ذلك المشروع، في حين اهتم هو بنفسه بمتابعة تدفق الأموال لصالح المشروع، وبعد شهور من بناء المركز الإسلامي، تبين أن أرصدة الشيخ وقريبه ذاك، قد تضخمت في البنوك، فبعد حياة الكفاف التي عاشاها، ظهر عليهما ثراء سريع فاحش مثير للريبة، وخاصة أن قريب الشيخ ذاك طالب جامعي بدخل محدود، وبعد الشكوك والشكاوى من بعض العاملين في المشروع، شكلت الدولة الخليجية المانحة لجنة تحقيق للوقوف على حقيقة ما جرى، لتأتي تلك اللجنة بالقول الفصل، الذي كان تماما كخبر جهينة، في قطعه لقول كل خطيب، فالأموال المخصصة لبناء المركز قد تم التلاعب بها، والإختلاسات ، دون مبالغة، كانت بالملايين، والأدهى والأمر انه لم يستطيع أحد إرجاع المال المنهوب مع ثبوت الاختلاسات لحد يومنا هذا، وكما أن القضية لم تظهر للعلن، بسبب السياسة السائدة في الكثير من المراكز بوجوب الستر خوفا من الفضيحة ودرءا للمفسدة.

بهذه القصة الحقيقية احببت ان أبتدأ مقالتي، وهي مدخلي لموضوع سيغضب الكثيرين، وأود التنويه هنا، إلى أن التعميم آفة وان تلك القصة لا تنطبق على كل المراكز الإسلامية ولا شيوخها أو القائمين عليها، فإن الأمة لا زالت بخير، لن أذكر أسماء أشخاص ولن أحدد مؤسسات بعينها.

 ينتشر في البلاد العربية ويتردد بين كوادر الحركات الاسلامية ومنظريها، وحتى لدى من يهتم بشؤونها من الباحثين والمفكرين مقولة ( فصل السياسي عن الدعوي)، ونرى ضرورة تعديل هذا المطلب على الساحة الأوروبية، حيث لا بد من المناداة بــ (فصل التجاري عن الدعوي)، وفي نظرة متأملة لواقع مؤسسات الإسلام الحركي في الغرب، بمختلف توجهاتها ومنهجياتها، ومن خلال تجاربنا وخبراتنا المريرة في هذا المجال، نجد أن المناداة بفصل التجاري عن الدعوي، أمر لا يستطاع إليه سبيلاً، فهو ضرب من المحال، ولا يدخل إلا في آمال الحالمين! فمن يقود العمل "الدعوي" ومؤسساته، على الأغلب هو نفسه من يقود العمل التجاري من خلال تلك المؤسسات، وقد يكون السبب الأهم في ذلك، أن المؤسسات الدعوية هي بذاتها مؤسسات تجارية ربحية، أو فلنقل تحولت إلى ربحية، بعد أن طال عليها الأمد، وتغلغل فيها الفساد في ظل صمت مطبق من العباد، بفعل ممنهج وإرادة من قياداتها، عن قصد وعمد، إلا من رحم ربي وهم قليل، سهولة الحصول على المساعدات المالية ضمن أطر القوانين والأنظمة الأوروبية، ساعدت ضعاف النفوس للتكسب غير المشروع، من مشاريع كان الأصل فيها، أن تكون حاضنة لعمل إسلامي نظيف، يسعى إلى النهوض بواقع الأمة المسلمة في الغرب، وبناء الجسور مع المجتمعات الجديدة.

 وحرصا منا، على أن لا يختلط الحابل بالنابل، ويلتبس الأمر على القراء المحترمين، فإنني أقصد أن تلك المؤسسات "الدعوية" التي نقصدها هنا، كالمساجد ودور التعليم ومجالس القرآن والمراكز والمدارس الاسلامية، تدر ربحا كبيرا ودخلا عاليا إضافيا، دون تكلفة على المنتفعين من القيادات والمسؤولين، فلا يوجد رأس مال مدفوع أو مباني مؤجرة، ولا حتى مصاريف تشغيلية أو مسؤولية عن فشل أو خسارة! وطرق الكسب غير المشروع هنا التفافية، تصل إلى الإحتيال والإختلاس، بطرق مبتكرة ولا تكاد تبين! لعل أبرز هذه الطرق هي التعيينات في الوظائف برواتب مرتفعة وغير متلائمة مع مؤهلات الموظف وأدائه، ولا حتى مع موقعه الوظيفي، وكذلك محسوبيات تعيين العائلة بالكامل تقريبا، حيث تحظى برواتب خيالية، و لولا هذه المؤسسة لما حصلت تلك العائلات، على نصف ذاك الدخل أو ربعه! ثم يأتي موضوع الإجازات المدفوعة الراتب، لفترات طويلة للأقارب من الدرجة الأولى، والإستفادة من الوظيفة في مزايا السفر والرحلات الداخلية والخارجية، سياحية كانت أو خاصة بالعمل، وكذلك التعويضات المالية عن الاجتماعات والمناشط التابعة للمؤسسة. ويتم التكسب كذلك عبر المؤسسة من خلال تسويق أشخاص معينين في الخارج، للممولين من دول نفطية أو من رجال أعمال موسورين، حيث يحصل اولئك على جانب من الحب أو جوانب مقابل تسويقهم، وقد تحصل المؤسسة على جانب من ذاك الدعم.

وأما موضوع توريث الأبناء، فحدث ولا حرج، وارجو من القاريء الكريم عدم الإستغراب، فأنا لا أتحدث عن نظام رئاسي في دولة عربية مستبدة، بل أتحدث عن مؤسسات تقول أنها إسلامية، يسلم فيها الأب الراية لإبنه أو ابن أخته، فيرث اولئك مواقع المسؤولية الأولى في المؤسسة، لا لشيء إلا لصلة القرابة من الدرجة الأولى، برواتب غير عادلة ولا تتناسب مع حداثة السن وقلة الخبرة العملية، ويحدث هذا بعد اكتفاء الآباء المؤسسين من المؤسسة واقترابهم من سن التقاعد أو حافة القبر!

اعتذر عن المواصلة في الكتابة خوضا في التفاصيل، فالأمر مقزز ومتعب نفسيا وفكريا وجسديا، فطرق التربح غير المشروع وأساليبه الشيطانية لا تكاد تحصى، وهي تلبس عادة ثوب الدين، وتجري تحت غطاء مصلحة المؤسسة والمحافظة على المكتسبات، هذه كلها أمثلة قليلة وقلمي يعجز عن حصر تلك الطرق جميعا!

وفي النهاية أدعو جميع العاملين في الحقل الإسلامي في أوروبا، لفصل التجاري عن الدعوي، فليذهب التجار إلى متاجرهم ومرابحهم، وليتركوا المؤسسات الإسلامية بحالها، لتقوم بدورها النبيل المنشود، دون خوف على تلك المؤسسات، لأنها (أي المؤسسات) لن تصل إلى أسوأ مما أوصلوها إليه بأيديهم المتسخة بالفساد، للأسف أنا في سطوري هذه لا أبالغ ولا أتجنى والأمثلة كثيرة، ولعل كثيرا من قراء مقالتي هذه، يستحضرون في أذهانهم أمثلة على صحة ما كتبت بل وأكثر مما ذهبت إليه. وحتى لا أدخل في ظلم التعميم فإن هناك بعض المسؤولين، ممن يخشون الله في دينهم وأنفسهم وأهلهم، لكنهم قليل، ولقد أخفى حسنهم وجمال صنيعهم كثرة الخبث!

والله المستعان ولله الأمر من قبل ومن بعد.