الإنقلاب العسكري الفاشل في تركيا: محاولة للفهم صوت السويد

 بلدية مالمو تغلق مسجد الرابطة الإسلامية في المدينة    جهاز المخابرات السويدي يصدر لائحة تضم 200 سويدي بشبهة تمويل الإرهاب    مؤشر دائرة الهجرة السويدية: أعداد اللاجئين الجدد تتناقص بشدة    إتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا يستنكر إعتداء ميونخ  

 
مقتطفات من الصحافة السويدية
   
تغريداتنا على تويتر



الإنقلاب العسكري الفاشل في تركيا: محاولة للفهم

صوت السويد بالعربي | عثمان الطوالبة |

في وقت متأخر من مساء الجمعة الماضية، 15 يوليو، توالت الأنباء عن جريان محاولة إنقلاب عسكري في تركيا، رافقتها تقارير عن انفجارات، وإطلاق نيرن وتحليق طائرات عسكرية في أجواء أنقرة. وسارعت الحكومة من بعد، على حث الشعب التركي، للجوء إلى الشوارع والميادين للتصدي للإنقلاب، ولم تمض ساعات حتى حطت طائرة أردوغان في اسطنبول، بعد أن أشيع خبر لجوءه إلى ألمانيا، ليدلي بتصريح صحفي، بين فيه أن محاولة إنقلاب تجري، وأن الحكومة تستعيد زمام الأمور، ولكنها بحاجة إلى دعم الشعب التركي، لأجل وقف الإنقلاب.

لم يحظى الإنقلابيون بالدعم الكافي، الذي يمكنهم من السيطرة على مقاليد الحكم، علاوة على التحرك المضاد من قبل الحكومة التركية، فبالرغم من تمكن قوات الإنقلابيين السريع، من التواجد في الشوارع، والسيطرة على القناة الرسمية التركية، إلا أنهم لم يتمكنوا من زمام الأمور. حيث ظهر أردوغان على شاشة التلفزة مطمئنا الناس على صحته، ومؤكدا أنه لا زال الرئيس الذي يسيطر على مقاليد الحكم في تركيا، وأن حكومته فاعلة، وأن لديه دعم من قطاعات كبيرة من الجيش، إضافة إلى تأييد جهاز الشرطة التام، وتأكيده على دعم المواطنين الأتراك له وللحكومة.

لقد أخطأ مدبرو الإنقلاب، في التكهن بقدرة أردوغان على الحشد الشعبي، بل وأخطأوا حين قللوا، على ما يبدو، من دور وسائل التواصل الإجتماعي، حيث ظهر أردوغان عبر الفيس تايم، ليوجه رسائله للشعب، في بث مباشر، عبر تلفزيون تركي، و كان لذلك الأثر الأكبر في التصدي للإنقلاب وإفشاله، حيث سارع الناس، بعد نداءات أردوغان، إلى تنظيم أنفسهم بأنفسهم، لوقف حركة التمرد المسلحة، فلا زلنا نذكر، كيف تواردت الأنباء، عن قيام المواطنين، بمحاولة وقف حركة حافلات الإنقلابيين، من قاعدةAkinci  العسكرية، من خلال سيارتهم الشخصية، واللجوء إلى إشعال النيران بالقش، لحجب الرؤية عن قوات الإنقلابيين في القاعدة،التي حاولوا في النهاية قطع الكهرباءعنها، فالإنقلابيون واجهوا انتفاضة شعبية شرسة، لم تكن في حسبانهم، ولا نشك بأن أعداءالحكومةالحالية كثر داخل البلاد، ولكن القوى المعارضة، بمختلف أطيافها، لم تكن لتدعم إنقلاب عسكري، كحل لمشاكل تركيا الديمقراطية.

لقد فشل الإنقلابيون في تغييب أردوغان، أوأي مسؤول تركي رفيع، حيث تمكن أردوغان من الإفلات، بفارق دقائق معدودة، قبل الهجوم على فندق "مارماريس"، الذي كان يقضي فيه عطلته، ثم أفلت مرةأخرى، حين أصبحت طائرته المتوجه إلى اسطنبول، في مرمى طائرتين للإنقلابيين من نوع إف 16، لعدم علمهم بوجوده بداخلها. فأردوغان وكذا رئيس الحكومة لم يتمكنا فقط من الحفاظ على حياتهما، بل تواصلا مع الشعب وأعطيا توجيهات، وأكد أردوغان في أول لقاء صحفي له أنه "القائد العام للقوات المسلحة"..

هل تم كشف خطة الإنقلاب؟

إن ردة فعل الحكومة التركية، السريع والفعال، ضد المؤامرة الإنقلابية، حيرت المتابعين حول العالم، حتى أن بعضهم ذهب إلى أن الإنقلاب، مجرد مسرحية افتعلها أردوغان نفسه، وهو ما روج له فتح الله غولن، خصم أردوغان اللدود، والمتهم الأول بتدبير الإنقلاب، حسب التصريحات الرسمية للمسؤولين الأتراك. ولكن ردة الفعل تلك، ربما توحي، بتسرب أنباء محاولة الإنقلاب، وأن نظام أردوغان استعد له، وبشكل جيد، وهذا، حال صحته، قد يفسر لنا تمكن أردوغان وبزمن قياسي، من حشد قطاعات واسعة من الناس، للتصدي للإنقلاب في الشوراع والميادين، إضافة لدور المساجد والأئمة والمؤذنين وغيرهم.

ولا ينبغي لنا استبعاد مثل هذاالتحليل، فقيادة الأركان التركية، نشرت بيانا على موقعها الإلكتروني، بتاريخ 31 مارس 2016، فندت فيه ما أسمته "إدعاءات صحافية" تتعلق بمحاولة المؤسسة العسكرية، القيام بإنقلاب عسكري، البيان رد أيضاً على "إدعاءات" بوجود نفوذ داخل المؤسسة العسكرية، لحركة فتح الله غولن، أو ما يطلق عليه لفظ "الكيان الموازي".

لقد تناول الكتاب والمحللون الغربيون، مسألة حدوث إنقلاب عسكري ضد أردوغان، أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، منها مقال لمايكل روبن بعنوان "هل سيكون هناك انقلاب عسكري ضد أردوغان؟"، نشره مركز "أميركان انتربرايز انستيتيوت" في 21 مارس الماضي، وغيره من المقالات التي تحدثت عن لعب أردوغان بالنار، وأنه يخشى إنقلاب الجيش عليه، وأنه قام بتحصين نفسه، بفصل قيادة قوات "الجندرمة" شبه العسكرية، والمكونة من قوات الشرطة الريفية، عن هيئة الأركان العامة، وإلحاقها بوزارة الداخلية التركية، الموالية تماماً لأردوغان.

ففي ضوء هذا كله لا يستبعد رصد أردوغان، لكل حركة مشبوهة داخل المؤسسة العسكرية، وأنه تمكن في الوقت المناسب، من كشف مخطط الإنقلاب، ووضع خطة مضادة للتعامل معه، إعتمد فيه وبشكل رئيس، على قوات "الجندرمة" تلك، العالية الكفاءة والتدريب، والتي تقدر أعدادها بستين ألف، وأنشئت قبل ثلاث سنوات، و قد يفسر لنا هذا، تمكن أردوغان،وفي أول خطاب له، من قلب مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول، من توجيه إتهامات صريحة وواضحة لغريمه السياسي، فتح الله غولن، بالوقوف خلف الإنقلاب وتدبيره.

ونميل إلى أن الحكومة التركية، كانت على أهبة الأستعداد، وأن خطط الإنقلابيين كشفت و تم رصدها، الأمر الذي أجبر مدبري الإنقلاب على التحرك بسرعة، قبل الموعد المحدد، وهذا التحليل، إن صح، يفسر لنا سرعة فشل الإنقلاب، وتخبط مدبريه، وسوءالتنسيق بينهم، فلجأوا إلى السيطرة على بعض المواقع الإستراتيجية، كالساحة المركزية في اسطنبول، والمطارات، والجسور، ومحطة التلفزيون والبرلمان ووسائل الإعلام، وهذا وحده لا يكفي لنجاح الإنقلاب العسكري، وقد يؤيد هذا، ما ظهر من المركبات القتالية على الأرض، والطائرات العسكرية، التي استخدمت في محاولة الإنقلاب الفاشلة، فهي قليلة للغاية، ولا تكفي لتحقيق أهدافهم الإنقلابية الإستراتيجية. الساعات القليلة حاسمة، وستكشف لنا الكثير من الخفايا، عن مدبري الإنقلاب وتفاصيله.