التجربة التنموية السويدية: قم بواجبك وطالب بحقك - صوت السويد

 بلدية مالمو تغلق مسجد الرابطة الإسلامية في المدينة    جهاز المخابرات السويدي يصدر لائحة تضم 200 سويدي بشبهة تمويل الإرهاب    مؤشر دائرة الهجرة السويدية: أعداد اللاجئين الجدد تتناقص بشدة    إتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا يستنكر إعتداء ميونخ  

 
مقتطفات من
   
تغريداتنا على تويتر



التجربة التنموية السويدية: قم بواجبك وطالب بحقك

  

2016-03-11  


صوت السويد بالعربي | عثمان الطوالبة |

السويد اليوم هي من أغنى وأفضل بلدان العالم رخاء، فالسويديون كما أظهرت دراسة وضعتها منظمة التعاون والتنمية 

الإقتصادية OECD، بناء على رفاهية المواطن، هم أكثر الشعوب رفاهيةُ وسعادةً في العالم، بعد الإستراليين. والمجتمع 

السويدي هو مجتمع منفتح ومتعدد الثقافات، يعيش فيه أناس من مختلف أنحاء العالم، بثقافاتهم وهوياتهم المختلفة. والثقافة 

السويدية اليوم هي مزيج من عدة مكونات، التقت وتناغمت مع بعضها البعض، لتشكل أنموذجاً ثقافيا، ومجتمعا أُثريَ 

بانفتاح بعضه على بعض، بشكل إيحابي أغنى الحياة السويدية، في جوانبها المتعددة الثقافية والإقتصادية والسياسية. 

مجتمع يقوم على العناية بالضعيف وتقويته، حيث يؤخذ فيه للضعيف من الشديد. الفرص هنا متساوية للجميع، في 

المشاركة والبناء الإيجابي، بالرغم من وجود الكثير من التحديات. الدولة السويدية تقوم على العدل والتكامل والمساواة، 

وتحفيز الناس على الفاعلية، للقيام بدورهم المؤمل في بناء المجتمع، بغض النظرعن الخلفيات المتعددة. كل هذا ساهم في 

خلق مناخٍ من التسامح، وروحٍ من الاحترام المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد. كما ساهم في التقدم والإصلاح بكل ميادينه. 

وإذا دخلت السويد تبهرك الطبيعة الساحرة، التي حباها الله تعالى بها، وكأنها رسمت بريشة فنان، بشكل يبعث على 

الإسترخاء والنظر والتفكر، ناهيك عن حسن التنظيم، وحداثة ودقة تصميم البنية التحتية، واحترام الناس الشديد للنظام 

العام. ولكن كيف صنع السويديون هذا كله؟  

الذي لا يعرفه الكثيرون أن السويديين، لم يخلقوا وفي فمهم معلقة من ذهب، وأنهم قد عاشوا من قبل في فقر مدقع، وعَوز 

مُلجئ، حيث عجزوا في الماضي ولعقود، عن توفير متطلبات الحياة الكريمة الضرورية الأساسية، من مأكل ورعاية 

ومسكن، الأمر الذي اضطر الكثيرين منهم إلى الهجرة، في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، هروباً من 

الفقر والجوع، ورغبة في إيجاد ملاذ آمن، من سنوات المجاعة السويدية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر 

الميلادي. فالسويد أنذاك، عانت كثيراً، بسبب الأوضاع الإقتصادية والسياسية والدينية البائسة، وخاصة في مناطق الريف، 

بسبب زيادة حادة في عدد السكان، تزامنت مع قلة فرص العمل، فزادت حياة المواطن السويدي صعوبة وضنكاً. والأمر 

الذي زاد الطين بلة آنذاك، هو ما مارسته الكنيسة السويدية، من تعصب ديني شديد، حيث أخضعت السكان، وخاصة في 

مناطق الريف السويدي، لتعاليم مسيحية صارمة متعصبة، وفي تلك الفترة، تعرض أعضاء الكنائس الحرة للإضطهاد 

والملاحقة. كل هذا، وغيره، أسهم في إصابة المواطن السويدي، بحالة من الإحباط، وخلق رغبة شديدة لدى الكثيرين 

منهم، بالهحرة بعيدا عن الفقر والمجتمع السلطوي الدكتاتوري. وكان المهاجرون الأوائل من الحرفيين، أبناء الطبقة 

الوسطى والفلاحين، حيث باعوا بيوتهم ونزحوا، وانطلقت بهم سفن الهجرة من عدة موانئ سويدية، وخاصة موانئ مدينة 

يوتوبوري شمال غرب السويد، إلى عالمهم الجديد. فهاجر ما بين عامي  1830 و 1930 مليون سويدي إلى ولايات 

الغرب الأوسط الأمريكية، من أصل مليون وثلاثمائة ألف مهاجر سويدي خلال تلك الفترة. 

والناظر في تاريخ الأمة السويدية، يتعجبُ من قدرتها على تجاوز الصعاب الجمّة التي واجهتها، ففي أقل من مئة عام، 

تميزت وتفوقت، حسب المعايير الدولية، عن بقية دول العالم، رفاهية وانفتاحاً وديقراطية. فسنوات المجاعة السويدية 

أصبحت جزءاً من الماضي، وأما الحاضر فتشير تقاريره، أن السويد اليوم هي ثاني أسخى دول العالم، تقديماً للمساعدات 

الدولية للمحتاجين. والبلد الذي هجره الكثير من أبناءه سابقاً، أصبح اليوم بلد الهجرة بإمتياز، ويتمنى الوصول إليه، 

والعيش فيه، الكثير من الناس في مختلف أصقاع الأرض. والتعصب الديني والدكتاتورية السياسية في السويد سابقاً، لا 

يذكران إلا في مجال التندر اليوم، لما يتمتع به الأنموذج الديمقراطي السويدي حالياً، من سمعة طيبة في أنحاء العالم. ففي 

تقريرها لمؤشر عام 2011، أشارت مجلة «الإيكونومست» البريطانية، أن الديمقراطية السويدية، احتلت المرتبة الثانية 

عالمياً، من حيث الأفضلية والفاعلية.

لم يتنظر السويديون المعجزات، ولا الهبات أو القروض فقط، وإنما استثمروا في العنصر البشري، وقاموا بتنميته 

ورعايته، ضمن خطة تنمية شاملة. وقد لعب بروز الحركات الشعبية القوية المختلفة، والفولك بيلدنينغ (الثقيف الشعبي) 

خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر، كالنقابات العمالية، وحركات مناهضة الكحول، والحركات الدينية، 

ومؤسسات التعليم الشعبي، دورا هاما في تشكيل بنية صلبة من المبادئ الديمقراطية، والتي ساهمت فيما بعد بإنتقال السويد 

إلى الديمقراطية البرلمانية الحديثة. وبدأ السويديون، مع تقدم الثورة الصناعية خلال القرن العشرين، بالانتقال تدريجياً إلى 

المدن، للعمل في المصانع، وازدادت نسب المشاركة في النقابات العمالية الإشتراكية. وانتشرت روح التكامل والتعاون 

بين أبناء الوطن الواحد، بهدف التطوير، والتغيير نحو الأفضل، ولأجل الجميع. فبدأت عملية تطوير وتنمية، كان شعارها 

ابتداءً " قم بواجبك، وطالب بحقك"، حيث تمكن السويديون من زيادة الإنتاجية، والانخراط في العمل المؤسساتي المدني و 

النقابي بشكل أكبر، ولعب المزارع السويدي الدور الأبرز في تنمية السويد وتطورها. لقد بدأت سياسية الإصلاح 

الإقتصادي في السويد، بعناصر أهمها اجتذاب رؤوس الأمول والدائنين للسويد، ناهيك عن الجودة المميزة للمنتج 

السويدي، وتزايد الطلب عليه من الخارج، وكذلك الاختراعات السويدية في مجالات العلوم المختلفة.

 قصة نجاج السويد، ليست قضية إمكانيات فقط، وإنما هي تغيير لما في الأنفس، وبناء لمجتمع على أسس سليمة، 

واستشعار فَردي وجَمعي، لحسّ والمواطنة ومقتضاياتها. إن معادلة النجاح السويدية، تتلخص في الإدارة الصالحة للبلاد، 

والحكم الرشيد، إضافة إلى المسؤولية المجتعية، والثقافة العامة السائدة، التي انتجت مواطنين، يميزهم الإحساس بالواجب، 

والالتزام بالمواعيد، والصدق، والتحلي بأخلاقيات العامل الصالح المنتج. إضافة إلى عامل آخر هام، وهو عدم دخول 

السويد في حروب منذ عام 1814 إلى أيامنا هذه، الأمر الذي جنب السويد ويلات الحروب، والمحافظة على الطاقة 

الانتاجية للدولة السويدية من الخراب والدمار. 

سطوري هنا، لا تهدف إلى خلق حالة من الإنبهار بالأنموذج السويدي، ولا تعكسه بأي حالٍ عندي. وهي لا تهدف أيضاً 

إلى إخفاء عيوب هذا الأنموذج، ولا حتى تَبَنّيه (دون تبيئة أوموائمة) كمعيار للتقدم والتطور. كما ولا يراد منها، 

التقليل (لا قدر الله تعالى) من شأن ما نحمله من مبادئ في ديننا الحنيف، وما تحمله هذه المبادئ من مقومات كافية، لإقامة 

أنموذج حضاري يسعد البشرية جمعاء. ولكنَ تجربة الأمة السويدية العملية، تستحق منا كل الإحترام والتقدير، وحريٌّ بنا 

الوقوف عليها بشكل تفصيلي، لأخذ ما يمكن أخذه منها، في إطار الحكمة التي هي ضالة المؤمن، والتي أينما وجدها 

التقطها. فينبغي لنا الانفتاح على تجارب الأمم ونهضتها، تماماً كما يَطلبُ المرءُ ضالته، فأهلُ الكمالِ من الناس، يعتبرون 

دائما بما يرون ويسمعون. 

عثمان الطوالبة / أستاذ جامعي وباحث في قسم اللاهوت وتاريخ الأديان – جامعة أوبسالا