في الذكرى الرابعة لمذبحة أوتويا... إسكندنافيا إلى أين؟ صوت السويد

 بلدية مالمو تغلق مسجد الرابطة الإسلامية في المدينة    جهاز المخابرات السويدي يصدر لائحة تضم 200 سويدي بشبهة تمويل الإرهاب    مؤشر دائرة الهجرة السويدية: أعداد اللاجئين الجدد تتناقص بشدة    إتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا يستنكر إعتداء ميونخ  

   
مقتطفات من الصحافة السويدية
 
تغريداتنا على تويتر



في الذكرى الرابعة لمذبحة أوتويا... إسكندنافيا إلى أين؟

صوت السويد بالعربي | عثمان الطوالبة |

لم يكن يوم الجمعة الموافق 22 يونيو/حزيران لعام 2011، يوماً كباقي الأيام العادية في النرويج، فلقد تعرضت فيه البلاد، لأسوأ عمل إرهابي تخريبي، منذ الحرب العالمية الثانية، الحادث الذي يعد الأول من نوعه في البلاد، بدأ بتفجير ضخم، نتج عن سيارة ملغومة، أمام مبنى الحكومة النرويجية في أوسلو، إنفجار وصف محيطه آنذاك بـ "ساحة حرب"، وقبل أن تستفيق النرويج من صدمتها، وبعد ساعتين من التفجير، تواردت الأنباء، عن إطلاق نيران من مدفع رشاش، في جزيرة أوتويا، المملوكة للفرع الشبابي، لحزب العمال الإشتراكي النرويجي، والمخصصة لإقامة مخيمات صيفية لشباب الحزب، والتي تواجد فيها، لحظة إطلاق النيران، 560 شابا/شابة من حزب العمال النرويجي. وفي المحصلة حصد الهجومين الدمويين، أرواح 77 نرويجي؛ 8 أشخاص جراء الإنفجار في أوسلو، و 69 شخصاً رميا بالرصاص الحي، في جزيرة أوتويا، جلهم في ريعان الشباب.

 

حين وقع الحادثين الإجراميين، بدأت الشكوك والظنون، تتراقص يمنة ويسرة، حول هوية الجاني او الجناة، وتمنيت وقتها، ومن كل قلبي، ألا يقف مسلم، خلف مثل هكذا إعتداء، وبدأت أبحث وأفتش، عن خبر ما، أو زيادة فيها تفصيل، في وسائل الإعلام المختلفة، قلبت قنوات االتلفزيون السويدي، الذي كان مشغولا، ببث مباشر لوقائع مباراة جولف، علني أجد ضالتي، وسرعان ما قُطع البث عن المباراة، واستُبدل ببث مباشر عن التلفزيون النرويجي، لتغطية ما جرى في النرويج. وإزدادت الهواجس والمخاوف لدي، وربما لدى الكثير من مسلمي الشمال النوردي، عند انتشار شائعات، بسرعة البرق، في وسائل الإعلام، وعلى وسائل التواصل الإجتماعي، ، تشير إلى مسؤولية "مجموعات إسلامية" عن الهجومين، وبدأ خبراء الإرهاب والتطرف، النورديين وغيرهم، بالحديث عن نظريات المؤامرة، وأن القاعدة تهاجم الدولة النرويجية، وأنه لا يعلم لحد الساعة لمَ، وأن الهدف هو نشر الهلع والخوف، فالنرويج حصلت على نسختها الخاصة من 11 سبتمبر.

خبراء الإرهاب، كما سماهم الإعلام، في التلفزيون السويدي، هم أول من تحدث، عن مسؤولية القاعدة عن الهجومين، وسائل إعلام سويدية أخرى، على سبيل المثال لا الحصر، (الداقنز نيهتر عدد 25/7/2011)، تحدثت عن وجود ربط مباشر، بين دعم النرويج لحلف الناتو، ومشاركتها في أفغانستان، وبين الهجومين، وأن هناك عدة حقائق، تشير إلى وقوف مجموعات إسلامية، خلف العمليتين الإرهابيتين. وأشير بالبنان إلى القاعدة على وجه الخصوص، وما أطلق عليه الإعلام وقتها، منظمة "أنصار الجهاد العالمي"، ومن جانبها، تكهنت صحيفة الأفتون بلادت اليسارية، (عدد 23/7/2011 ص 32ـ33)، بأن "الإرهاب الإسلامي قد وصل الان إلى جارتنا الغربية". كانت التغطية الإعلامية سريعة، وصريحة بنفس الوقت، في تحديد الجهة، التي تقف وراء الهجومين، بشكل أعاد إلى الأذهان، أجواء الحادي عشر من سبتمبر، وما صاحبها من اعتداءات، طالت الكثير من المسلمين في الغرب.

ولكن سرعان ما تبددت تلك التخرصات، والتكهنات والمخاوف، فإذا بالجاني أبيض نوردي نرويجي، من مواليد أوسلو، مسيحي يميني متطرف، يدعى أندرس بيرينغ بريفيك، إبن دبلوماسي نرويجي معروف، ووالدته تمارس مهنة التمريض. عندها خرج علينا الإعلام، متحدثاً عن "اعتقال نرويجي، مريض نفسي، عمره 32 سنة، يشتبه بقيامه بالحادثتين"، فمن نظريات المؤامرة، والحقائق الثابتة، التي توصل لها خبراء الإرهاب، بحكم خبرتهم الطويلة والعميقة، التي تشير إلى أن الهجومين إرهابيين، قامت بهما القاعدة، ومنظمة أنصار الجهاد العالمي المزعومة، انتقل كلام "الخبراء" فجأة، وبشكل منظم، للحديث عن مريض نفسي، يشتبه بقيامه بالحادثين، وأنه تصرف بشكل منفرد. وبعد اعتقال بريفيك، الذي قدم إعتذاراً أمام القاضي، وجهه لكل "المجموعات القومية المسلحة في أوروبا والنرويج"، لعدم قتله المزيد من النرويجيين، أشارت التقارير الطبية، أنه لم يكن مريضاً نفسياً، أثناء قيامه بالهجومين، ولا عند إجراء الفحوصات الخاصة بالتقرير، وأشير إلى بريفيك بعد ذلك، كمتطرف نرجسي "يعاني من حب النفس، وإضطراب الشخصية"، وفي سابقة قضائية، حكم عليه بأقصى عقوبة، يبيحها القانون النرويجي، وهي السجن لواحد وعشرين عاماً مع التحفظ، وهذا يعني أنه لن يغادر السجن، ما دام على قيد الحياة، لتشكيله خطراً على الأمن المجتمعي العام.

المتطرف النرجسي ذاك، كتب بياناً من 1500 صفحة، نشره على الشبكة العنكبوتية، تحت عنوان “2083 – إعلان أوروبي للإستقلال"، يقول فيه أنه "يجب على المسلمين التحول إلى المسيحية بحلول عام 2020"، وأنه "إن لم يتم هذا فعلى قوات الدفاع النرويجية إعدام جميع الخونة"، تمهيداً للوصول إلى "تطهيرعرقي" ينهي الوجود الإسلامي، ويتوج بإعلان إستقلال أوروبي عام 2083. فكل أوروبا الغربية، حسب بريفيك، مهددة بالإسلام، الذي سيستولي على القارة الأوروبية، خلال ال 150 سنة القادمة. ويذكر السفاح أيضاً، بأن فترة خمسينيات القرن الماضي، تراود أحلامه ومخيلته، "حيث كان الرجال رجالاً، والنساء يقمن بالواجبات المنزلية، ويعتمدن على الرجال، ولم يكن في النرويج مسلمين آنذاك"، ويذكر السفاح في بيانه أيضاً، بأنه لا بد من إذابة المسلمين، بنسبة 100% في المجتمع النرويجي، وأن من يرفض هذا، يطرد خارج البلاد. ويرى بريفيك، أن الطريق الممكن، بل والوحيد، لحماية أوروبا من التعددية، لا يتأتى إلا بإتخاذ "إجراءات متطرفة، وثورة عنيفة"، وحسب بريفيك، لا ينبغي تشتيت الجهود، وذهابها سدى، في مكافحة المسلمين بشكل مباشر، حيث أن العنف العشوائي ضد المسلمين، يعطي نتائج عكسية، وتعاطفاً مع الإسلام، وأنه لا بد من توجيه الجهود "ضد الخونة أولاً"، في إشارة للنخب السياسية، النرويجية والإسكندنافية والأوروبية، الداعمة للتعددية والديمقراطية، وأنه يتوجب توجيه الكفاح، ضد شباب حزب العمال الإشتراكي النرويجي، لمحاولة تغيير مخططات الحزب، ورؤيته المستقبلية، فحزب العمال الإشتراكي النرويجي، من وجهة نظر بريفيك، قد خان البلاد والعباد، بإنفتاحه على التعددية، وفَتحِ باب اللجوء إلى النرويج، وأن الأوان قد آن "لأن يدفع الحزب ثمن هذا". وأما على الصعيد الأوروبي، فيرى بريفيك، الذي يطلق على نفسه لقب "حامي الهيكل" في بيانه، أنه في حرب ضد الإسلام وحلفاءه، هدفها "تطهير أوروبا" من المسلمين، الذين سيفرون منها ولا بد "كالجرذان"، وهذا يتطلب بنفس الوقت نسب مواليد عالية، لسد الفراغ الدمغرافي بعد "خروج المسلمين"، ولتحقيق هذا حسب خطة بريفيك، يتم جلب المبايض والحيوانات المنوية، من الرجال والنساء من شمال النرويج، السويد وفنلندا. إعلان بريفيك هذا، يدخلنا إلى عالم أفكاره العنصري المتطرف، وما يحمله ذاك السفاح، أو "حامي الهيكل"، كما يروق له تسمية نفسه، من أراء إرهابية دموية إجرامية، ضد مسلمي أوروبا وحلفاءهم، حسب تعبيره الإسلاموفوبي.

أربع سنوات مضت، على الهجومين الدمويين، ولم يتغير بعدهما، نقاش التطرف العنصري الإسلاموفوبي، ولم تتناقص على إثرهما، عداوة الغرباء، ولم يتراجع تصاعد اليمين المتطرف، لا في أوروبا ولا في إسكندنافيا، ولا حتى في النرويج نفسها! فآراء بريفيك، التي جمعها في بيانه المشؤوم ذاك، ليست من بنات أفكاره، بل هي مادة مستخدمة، في النقاش العنصري الإسلاموفوبي، الغربي الإسكندنافي، منذ سنوات طوال، والسفاح "النرجسي"، وإن جلس في سجنه حتى الممات، إلا أن ما سطره من أفكار، إرهابية مريضة، عنصرية فاشية، ضد الإسلام والمسلمين، لا زالت طليقة خارج القضبان، تهرول مسرعة في إسكندنافيا، وفي كافة الأصعدة، وتشكل مصدر إلهام للكثيرين، في مشهد يذكر بمرحلة، ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي شهدت نمو سريعاً ومخيفاً، للكثير من القوى السياسية، غير الديمقراطية، اليمنية الشعبوية الفاشية المتطرفة، في القارة الأوروبية.

إن القلق المتصاعد الذي تعيشه القارة الأوروبية، جراء الأزمات الإقتصادية، وتحديات الهجرة، وارتفاع نسب البطالة، وإرهاب بعض المنتمين إلى الإسلام، ممن يسيئون إليه، بإرتكاب المجازر، وإراقة الدماء بإسمه، تشكل أرضية مناسبة، ومادة دسمة، للقوى العنصرية اليمينية المتطرفة، التي تتخذ منها قميص عثمان، لتبرير عنصريتها الإسلاموفوبية، وكراهيتها للأجانب عامة، والمسلمين خاصة. والمسؤولية في إيقاف هذا الجنون الفاشي، تقع على كاهل العقلاء، ومن جميع الأطراف، ففي مثل هذه الفترة الحرجة، من تاريخ إسكندنافيا، لا بد من تضافر جهود النخب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات والمراكز الإسلامية الإسكندنافية، ضمن مسؤولية مجتمعية، تقوم على أساس المواطنة، وتعظيم الجوامع المشتركة، والإحترام المتبادل، لصالح الجميع، للخروج ببرامج واضحة ضد العنصرية، التي لا تهدد إسكندنافيا وحسب، بل والقارة الأوروبية جمعاء، أكثر من أي وقت مضى، وكذا مكافحة التطرف، أيا كان شكله أو مصدره، فالتطرف والإرهاب، لا دين له أو جنسية، ونحن على قناعة تامة، بعدم وجود وصفة سحرية، تنفع إسكندنافيا على المدى القريب، للتخلص من الفاشية والعنصرية، ولكن الإصلاحات السياسية الحقيقية، في برامج الأحزاب العملية، والحفاظ على نظام الرفاهية، وتطويره بشكل فعال، ليشمل الجميع، بعدل ومساواة، وبناء الجسور، بنشر مبادىء الإسلام الحنيف، بعيدا عن تأويل الجاهلين، وإنتحال المبطلين، وتحريف الغالين، تكاد تكون أهم أدوات النضال، بل هي السلاح الأهم، والأكثر فعالية، للإنتصار على العنصرية، وتمدد قوى اليمين المتطرف الفاشية.

عثمان الطوالبة/ باحث وكاتب أردني مقيم في السويد