محاولة إخضاع اليونان من لحظات الخزي الأوروبي - صوت السويد

 بلدية مالمو تغلق مسجد الرابطة الإسلامية في المدينة    جهاز المخابرات السويدي يصدر لائحة تضم 200 سويدي بشبهة تمويل الإرهاب    مؤشر دائرة الهجرة السويدية: أعداد اللاجئين الجدد تتناقص بشدة    إتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا يستنكر إعتداء ميونخ  
إقرأ للكاتب بول كروغمان

   
مقتطفات من
 
تغريداتنا على تويتر



محاولة إخضاع اليونان من لحظات الخزي الأوروبي

  

2015-07-12  


صوت السويد بالعربي | بول كروغمان |

تملصت أوروبا من إحدى الرصاصات القاتلة الأحد الماضي. ولقد أيد الناخبون اليونانيون وبشدة، في تفنيد منهم للكثير من التوقعات، قرار حكومتهم الرافض لمطالب الدائنين الدوليين. وحريًا بأشد المؤيدين للاتحاد الأوروبي في خضم تلك الأزمة أن يتنفس الصعداء إثر القرار اليوناني.

بطبيعة الحال، ليست تلك هي الزاوية التي ينظر الدائنون منها للمسألة. وروايتهم، التي يرددها الكثيرون في محافل الصحافة الاقتصادية، تعبر عن أن فشل محاولتهم في إخضاع اليونان جاءت انتصارًا لعدم المسؤولية واللاعقلانية في مقابل المشورة التكنوقراطية السليمة. ولكن حملة الترهيب الفظيعة، وهي محاولة ترويع المواطنين اليونانيين بقطع التمويل المصرفي والتهديد بفوضى جامحة تضرب المجتمع، ومن وراء ذلك هدف آخر مفتوح يرمي إلى إقصاء الحكومة اليسارية الحالية خارج مشهد الأحداث، لم تكن إلا لحظة من لحظات الخزي الأوروبي في القارة التي تدعي الإيمان والدفاع عن المبادئ الديمقراطية. وكان يمكن أن تؤسس لسابقة رهيبة إذا ما قُدر لتلك الحملة النجاح، حتى لو بدأ الدائنون يثوبون إلى رشدهم قليلا.

والأكثر من ذلك أنهم لم يفعلوا. والحقيقة تكمن في أن فئة التكنوقراط النخبوية الأوروبية تتشابه كثيرًا مع أطباء العصور الوسطى الذين كانوا يصرون على إراقة دماء مرضاهم، وإذا ما سبب علاجهم المزيد من البؤس والشقاء للمرضى، كان الأطباء يزيدون في إراقة الدماء. ومن شأن التصويت بـ«نعم» في اليونان أن يسبب حالة من البؤس والشقاء للبلاد تستمر إلى سنوات من المعاناة تحت وطأة سياسات أثبتت فشلها في واقع الأمر، وبالنظر إلى مختلف الحسابات، لا يمكن أن تؤدي لشيء؛ إذ إن التقشف يسبب انكماشًا سريعًا للغاية في اقتصاد البلاد أكثر مما يقلل من حجم الديون، وبالتالي فإن كافة تلك المعاناة لا تخدم أي غرض من الأغراض. ولكن الانتصار الساحق للتصويت بـ«لا» يفتح المجال، على أدنى تقدير، أمام فرصة الهروب من ذلك الشرك القاتل.

ولكن كيف يمكن إدارة مثل ذلك الهروب؟ وهل هناك من سبيل أمام اليونان للبقاء في حظيرة اليورو؟ وهل بقاؤها هناك لا يزال مرغوبًا فيه على أية حال؟

ينطوي السؤال الأكثر إلحاحًا على البنوك اليونانية. فقبل الاستفتاء، قطع البنك المركزي الأوروبي الطريق على تلك البنوك للحصول على أموال إضافية، مما يساعد على التعجيل من حالة الذعر بين المواطنين وإجبار الحكومة على فرض عطلة البنوك وإرساء ضوابط على رؤوس الأموال. ويواجه المركزي الأوروبي الآن خيارًا عسيرًا، فإذا ما استأنف عمليات التمويل الاعتيادية فسيعد ذلك اعترافًا منه بأن قرار التجميد السابق كان لأغراض سياسية بحتة، وإذا واصل تنفيذ قرار التجميد، فسوف يجبر اليونان، وبشكل فعال، على إصدار وطرح عملة جديدة. وبصورة أكثر تحديدًا، إذا لم يبدأ تدفق الأموال من فرانكفورت (مقر البنك المركزي الأوروبي)، فلن يكون أمام اليونان من خيار سوى الشروع في سداد الأجور والمعاشات للمواطنين من سندات الديون، والتي سوف تكون في واقع الأمر العملة اليونانية الموازية، وسوف تتحول قريبًا إلى (الدراخما) الجديدة.

ولنفترض، من ناحية أخرى، أن البنك المركزي الأوروبي استأنف عمليات الإقراض العادية، وهدأت الأزمة المصرفية اليونانية، لا يتركنا ذلك إلا أمام سؤال جديد حول كيفية استعادة النمو الاقتصادي اليوناني.

خلال المفاوضات الفاشلة التي أدت إلى استفتاء يوم الأحد، كانت نقطة الخلاف الرئيسية لدى البنك المركزي الأوروبي هي مطالب اليونان بالتخفيف الدائم لأعباء الديون، وانقشاع السحابة الثقيلة الجاثمة فوق اقتصادها. وقد رفضت مجموعة الترويكا، وهي المؤسسات التي تمثل مصالح الدائنين، تلك المطالب، على الرغم من أننا نعرف الآن أن أحد أعضاء مجموعة الترويكا، وهو صندوق النقد الدولي، كان قد خلص بشكل منفرد إلى أنه لا يمكن سداد الدين اليوناني. ولكن، هل يعيدون النظر الآن في أن محاولة إسقاط الائتلاف اليساري الحاكم قد فشلت؟

ليست لديّ فكرة، وعلى أية حال فهناك الآن جدال عنيف يدور حول أن الخروج اليوناني من منطقة اليورو هو أفضل خياراتها السيئة.

ولنتصور للحظة أن اليونان لم تعتمد اليورو قط كعملة رسمية لها، وأنها عملت على تثبيت قيمة الدراخما وفقًا لليورو. فكيف يكون التحليل الاقتصادي الأساسي لما ينبغي عليها فعله الآن؟ والإجابة، وبأغلبية ساحقة: أنه ينبغي على اليونان تخفيض قيمة العملة، والسماح بهبوط قيمة الدراخما، سعيًا إثر هدفين؛ تشجيع الصادرات، والخروج من دوامة الانكماش الاقتصادي.

بطبيعة الحال، لم يعد لدى اليونان عملتها الخاصة، واعتاد الكثير من المحللين الزعم بأن اعتماد اليورو كعملة رسمية لها كان خطوة لا رجعة فيها، وبعد كل شيء، فإن أي تلميح للخروج من منطقة اليورو سوف يسبب حالة مدمرة من العجز المصرفي ووقوع أزمة مالية في البلاد. ولكن عند هذه النقطة من حيث وقوع الأزمة المالية بالفعل، فإن التكاليف الباهظة للخروج من منطقة اليورو قد سددت فعليًا. فلماذا، إذن، لا نسعى وراء المكاسب؟

هل يعود خروج اليونان من منطقة اليورو عليها بفوائد مثل التي حققتها أيسلندا بمنتهى النجاح بقرار خفض قيمة العملة في عامي 2008 و2009، أو تخلي الأرجنتين عن سياسة بيزو واحد مقابل دولار واحد في 2001 و2002؟ ربما لا، ولكن علينا اعتبار البدائل المطروحة حينئذ. ما لم تحصل اليونان على تخفيض حقيقي وكبير لأعباء الديون، فربما حتى ذلك الحين يكون قرار الخروج من منطقة اليورو يفتح سبيل الهروب الوحيد والمعقول من كابوس الاقتصاد المستمر بلا نهاية.

ودعونا نكون واضحين: إذا ما انتهى الأمر باليونان لمغادرة منطقة اليورو، فلن يعني ذلك أن اليونانيين هم أسوأ سكان أوروبا. فإن مشكلة الديون اليونانية تعبر عن الإقراض والاقتراض غير المسؤول على حد سواء، ولقد دفع اليونانيون ثمن أخطاء حكومتهم مرات تلو المرات. فإذا عجزوا عن الانفكاك من أسر العملة الأوروبية الموحدة، فسبب ذلك أن العملة الموحدة لا توفر الراحة أو فترة السماح للدول ذات الأزمات. والأمر المهم الآن هو فعل كل ما يلزم فعله لوقف النزف اليوناني.

المصدر: بول كروغمان - نيويورك تايمز/ الشرق الأوسط