نظرة الأحزاب الدينية في أوروبا؟ - صوت السويد

 بلدية مالمو تغلق مسجد الرابطة الإسلامية في المدينة    جهاز المخابرات السويدي يصدر لائحة تضم 200 سويدي بشبهة تمويل الإرهاب    مؤشر دائرة الهجرة السويدية: أعداد اللاجئين الجدد تتناقص بشدة    إتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا يستنكر إعتداء ميونخ  

مقتطفات من
    
تغريداتنا على تويتر



تقرير
نظرة الأحزاب الدينية في أوروبا؟

  

2015-11-20  

صوت السويد بالعربي |

عبد المجيد سباطة

 

كيف نشأت الديموقراطية المسيحية في أوروبا؟

ظهرت الديموقراطية المسيحية في القرن التاسع عشر، خاصة في بلجيكا وألمانيا، وقدمت نفسها كمجموعات مصالح كاثوليكية تركز على تحقيق أهداف محدودة، بسبب حالة البؤس التي كان يعانيها العمال في تلك الفترة وبسبب تصاعد الحركات الاشتراكية النقابية، فظهرت هذه الحركات تحت مسمى “العمل الكاثوليكي الشعبي” قبل أن تتطور لاحقًا لتُعرف بـ”الديموقراطية المسيحية”، مع اعتقاد سائد بأن الصراع بين الكنيسة والدولة كان أحد العوامل في ظهور “الديموقراطية المسيحية”، وكذلك للرد على تصاعد مبادئ الشيوعية والاشتراكية.

لكن رغم ذلك لم تظهر الأحزاب الديموقراطية المسيحية، إلا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، كاستجابة لحالة البؤس والدمار الذي خلفته الحرب والانحلال الأخلاقي الذي ساد في تلك الفترة، فكانت هناك حاجة للنهوض مجددًا بالأخلاق المسيحية الأصيلة، ومع ذلك عانت هي نفسها من ارتياب الفاتيكان، لاعتباره أن المشاركة في الانتخابات والمساومات البرلمانية تشكل ميلًا إلى الحداثة.

 

ظهرت الأحزاب الدينية في ألمانيا كرد فعل على سقوط النازية في الحرب العالمية الثانية

تطورت هذه الأحزاب في عزلة نسبية عن بعضها البعض، لكنها بدأت في التوجه نحو اليسار شيئًا فشيئًا، خصوصًا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وبحصول المرأة في أوروبا على حقها في الانتخاب، وكذلك أصبحت الدساتير الأوروبية أكثر توجهًا نحو اليسار، وهو الأمر الذي نتج عنه ظهور الكاثوليكية السياسية ذات المسحة اليسارية.

فظهرت أحزاب مسيحية ديموقراطية في معظم دول أوروبا، ووصل الأمر في بعض الدول الأوروبية، مثل: النمسا، بأن تحالف فيها الحزب الاجتماعي المسيحي مع الاشتراكيين في أول تحالف للجمهورية النمساوية الجديدة. وفي بعضها الآخر نجد بداخلها أجنحة يمينية ويسارية كما كان الحال بالنسبة لبلجيكا.

في الوقت الحالي، يعد حزب الشعب الأوروبي، ذو التوجه الديمقراطي المسيحي، أكبر مجموعة برلمانية في البرلمان الأوروبي منذ عام 1999، ويشكل الأغلبية في المجلس الأوروبي منذ عام 2002، وهو أكبر حزب في الاتحاد الأوروبي. ويتكون من أكثر من 70 حزبًا عضوًا من 40 دولة، وأغلب رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي ينتمون له، وله 13 عضوًا في المفوضية الأوروبية.

وبشكل عام، تنتشر الأحزاب الدينية الآن في 80 دولة أوروبية وآسيوية وإفريقية ولاتينية مختلفة. تختلف هذه الأحزاب في درجة قوتها السياسية ومساهمتها في الحياة السياسية ونظام الحكم من دولة لأخرى.

ما هي أبرز معالم الفلسفة الديموقراطية المسيحية؟

ترتكز الفلسفة الديمقراطية المسيحية على المحافظة على الأخلاق والقيم المسيحية، والأخذ ببعض الأسس في النظرية الليبرالية، وبعض الأسس الاشتراكية، وتُصَنَّف الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا ضمن أحزاب يمين الوسط، عكس نظيرتها في أمريكا اللاتينية التي تُصنّف ضمن يسار الوسط، كما أن الأحزاب المسيحية في أوروبا تختلف عن الأحزاب المحافظة اليمينية الأنجلو – سكسونية، حيث تستمد الأولى محافظتها في السياسات الاجتماعية، المتعلقة بالزواج والإجهاض، وغيرها من المبادئ الدينية المسيحية، في حين لا تستمد الثانية محافظتها من تلك المبادئ بالضرورة.

PARIS, FRANCE - FEBRUARY 20 : Veronique Levy the sister of the philosopher Bernard-Henri Levy in the Eglise Saint-Gervais-Saint-Protais in Paris on February 20, 2015. From a non practicing Jewish family and after after a tumultuous youth, she converted to Catholicism, and was baptized April 12, 2015. (Photo by Vincent Capman/Paris Match via Getty Images)

الكنيسة الكاثوليكية: مرجع معظم الأحزاب الدينية في أوروبا

وبجانب المحافظة في القضايا الاجتماعية، تؤكد المسيحية الديمقراطية على الملكية الخاصة، وتتبنى حقوق الإنسان وفق الفهم الليبرالي، ولا تعارض إدارة الاقتصاد، وفقًا لآليات السوق الحر والتنافسية، لكنها لا تعارض تدخل الدولة المحدود في توجيه الاقتصاد، كما أنها تؤكد حقوق الفرد الأساسية، من دون أن تغفل واجب الفرد تجاه المجتمع ككل، وتعتبر العائلة نواة المجتمع، وتوليها اهتمامًا خاصًا في سياساتها الاجتماعية. كذلك، يتفق الفكر الديمقراطي المسيحي مع الاشتراكية، في قضايا العدالة الاجتماعية، ودور الدولة في محاربة الفقر.

صحيح أن هذه الأحزاب تسعى إلى تعزيز الأخلاق المسيحية في الحياة العامة، لكن هذا لم يمنع من قبولها بتشريعاتٍ، تناقض قيمها المسيحية، تأكيدًا على احترامها للديمقراطية وسيادة القانون، كاحترامهم مثلًا للذين يفضلون طرقًا أخرى للحياة الزوجية، تخالف المفهوم المسيحي للزواج.

ما هي أبرز الأحزاب الديموقراطية المسيحية في الغرب؟

فرنسا: حزب الحركة الجمهورية الشعبية

ظهر حزب الحركة الجمهورية الشعبية (Mouvement Républicain Populaire/MRP) المسيحي الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يكن يخطط فقط للتوفيق بين الكاثوليكية التقليدية مع العمال المعزولين، وإنما بدأ أيضًا في خلق مناخ سياسي جديد داخل فرنسا، في محاولة لتجديد الحياة السياسية والاجتماعية بعد سنوات الاحتلال.

وقد تنوع ناخبو الحزب بين رجال الأعمال، والعمال، والموظفين، والمزارعين، ونسبة كبيرة من الناخبين من النساء، ومع أن الحزب ضم في صفوفه بعض البروتستانت الفرنسيين واليهود، إلا أنه يعتبر حزبًا كاثوليكيًّا، بسبب اتخاذه موقفًا كاثوليكيًّا تقليديًّا بشأن مسائل مثل الطلاق، وتنظيم النسل.

وبالنسبة لأهدافه السياسية، فإن الحزب يسعى لطرح نفسه بديلًا عن الماركسية الجماعية والفردية اليمينية المحافظة. ويهدف إلى إنهاء العداء الطويل بين الكنيسة والدولة في فرنسا، وإدخال معايير أخلاقية في الحياة العامة، ولكن بالرغم من هذا الشعور، وجد الحزب كغيره من الأحزاب الديموقراطية المسيحية بأنه من الصعب التوفيق بين هدفه من إدخال معايير أخلاقية في الحياة العامة وحاجته لتحقيق النجاح الانتخابي.

إضافة لتأييده لتأميم الصناعات الرئيسية، وتوسيع الدور الاجتماعي للدولة، وزيادة النفوذ لنقابات العمال، إلى جانب التحديث الاقتصادي والتعاون الأوروبي. أما بالنسبة لنظرته الاجتماعية، فيعتبر الأسرة أنها وحدة أساسية في المجتمع ودور الدولة هو الحامي والمنظم للأسرة والمجتمع، دون السعي لتحل محله. وحول نظرته الاقتصادية والسياسية، فيرى ضرورة توفير قدر أكبر من المساواة في توزيع الدخل، واحترام حقوق الجميع ويعارض الرأسمالية على نفس القدر لمعارضته للدولة الشمولية.

ألمانيا: حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي

ظهر الاتحاد الديموقراطي المسيحي سنة 1945 بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، حيث كانت ألمانيا مقهورة ويهيمن عليها الجوع واليأس والبؤس، ففي الوقت الذي انشغل فيه كثير من الناس من أجل الطعام والمأوى، تطلعت أقلية نشطة سياسيًّا لتأسيس مجتمع جديد يرتكز على الكرامة الإنسانية، وحرمة الفرد، والصدقة المسيحية، وحقوق الإنسان، والديموقراطية. حيث كانت المثل الديموقراطية يتم الوعظ بها من على منابر الكنائس والكراسي الأكاديمية من قبل الرجال الذين شعروا بأنهم لم يفعلوا شيئًا لمقاومة صعود النازية أو الحد من صعودها.

أنجيلا ميركل المرأة الحديدية المنتمية لحزب بمرجعية مسيحية

بالنسبة لنظرة الحزب الاجتماعية فهو يؤمن بالديموقراطية، حيث أكد على بناء نظام اجتماعي جديد يقوم على احترام حقوق الفرد، ودعا للاعتراف بالأسرة بوصفها وحدة اجتماعية حيوية، ودعم حقوق النساء والأطفال، وحق الآباء في اتخاذ قرار بشأن تعليم أبنائهم. وبالنسبة لرؤيته للمسائل الاقتصادية والسياسية فقد شهدت مرحلتين في المرحلة الأولى:

اهتم الحزب بدعم التأميم، وتحديدًا بالنسبة لبعض الصناعات الأساسية، ودعا لإلغاء التكتلات الاحتكارية والرقابة الحكومية الفعالة للاقتصاد.

ورفض العودة للممارسات الرأسمالية التي كانت سائدة قبل الحرب، وفي المرحلة الثانية: شهد الحزب تحولًا نحو الاقتصاد الحر بسبب طغيان أنصار الرأسمالية في الحزب، فقد تشكل حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي (CDU/CSU) من كل من حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي، وبذلك أصبح تجمعًا يضم الليبراليين والاشتراكيين والكاثوليك والبروتستانت والعمال وأرباب العمل فأصبح حركة ذات برنامج مطاط يتسع لأكبر عدد من الأعضاء، ونجح الحزب بالتخلص من التزمت الأيديولوجي.

وتمتع بنسبة عالية من أصوات المزارعين والنساء، ونظر بأهمية لأصوات النساء نظرًا لكثرة النساء بالنسبة لسكان ألمانيا بعد الحرب العالمية. كما أن الحزب بذل جهودًا ترمي إلى كسر العداوات الطبقية فجذب شريحة كبيرة من المجتمع الألماني. ومن أهم إنجازاته الملحوظة: أنه استطاع إيجاد طريقة للتعايش السياسي بين الكنائس المسيحية.

إيطاليا: الحزب الديموقراطي المسيحي

عندما انتهت الفترة الفاشية الطويلة عام 1943، عاد حزب  (Partito Popolare/PPI)القديم إلى الوجود تحت اسم (Partito della Democrazia Cristiana/DC)، وسرعان ما نافسته الاشتراكية أو الشيوعية في شعبيته مع الجماهير.

وحول رؤية الحزب الاجتماعية، فقد كان يحبذ الحرية والمبادئ الديموقراطية ويدعم حقوق الأسرة، والإصلاحات الاجتماعية الطموحة. ورغم اعترافه النظري بحقوق العمال، إلا أنه لم يحرز أي تقدم على هذه الجبهة؛ بسبب تخوفهم أنه في بلد مثل إيطاليا قد تذهب ثلث الأصوات إلى الشيوعيين أو المتعاطفين مع الشيوعية. فيما كانت رؤيته الاقتصادية بدعم الملكية الخاصة، لكنه بذات الوقت أبقى على العديد من المشروعات المؤممة القوية والمشروعات شبه المؤممة الموروثة عن الفاشية. وعمل الحزب على التنمية وإصلاح الأراضي أكثر من الجوانب الأخرى.

ويضم الحزب في صفوفه شرائح مختلفة من كبار ملاك الأراضي الذين أيدوا نظام الملكية الفاشية، وعمال، وصناعيين، وحرفيين معظمهم من الكاثوليك. وبذلك مثل الحزب صورة مصغرة من المشهد الإيطالي والعامل الوحيد الذي يؤدي لتماسكه كان الاحترام المشترك للكاثوليكية.

بماذا تختلف الأحزاب الدينية الغربية عن نظيرتها العربية؟

يقول البعض إن الأحزاب الغربية رغم أسمائها الدينية، إلا أنها ليست ذات أيديولوجيات دينية، لكن يمكنها المجاهرة وتسمية أحزابها بمصطلحات ذات بعد ديني، وهو ما لا نجده مطلقًا في الوطن العربي.

كذلك عندما يذكر حزب أنه ذو توجه كاثوليكي فإننا بالفعل نجد غير كاثوليكيين منضمين إليه في بعض الأحيان، وأنه ليس حكرًا على الكاثوليكيين دون غيرهم من الطوائف المسيحية، لكننا نلاحظ أن الحزب يعمل ضمن خطوط عامة كاثوليكية.

هذا الأمر لا نجده في كثير من دولنا العربية، فلا يجوز فيها التصريح بأن هذا الحزب قائم على أسس إسلامية، وإلا اعتبر مناهضًا للأقلية المسيحية، وذا فكر طائفي يستبعد المخالفين في الدين.

بعض المؤرخين الأوروبيين يرون أن بداية عمل الأحزاب المسيحية كانت في الميدان الاجتماعي وليس السياسي، هذا الأمر كثير الشبه بالعديد من الحركات الإسلامية في الوطن العربي التي بدأت فعليًّا في النواحي الاجتماعية، ثم مارست السياسة تدريجيًّا. الدليل على ذلك كان عبر بروز عدد من حركات الإصلاح الاجتماعي المسيحية التي هدفت لإصلاح المجتمع الأوروبي، هذ الحركات نجحت في المناطق الريفية أكثر من المناطق الحضرية، وهذا أمر يكاد يتطابق مع الحركات الإسلامية التي ترفع شعار إصلاح المجتمع في الوطن العربي.